الأغنية العربية بصوت الساهر الساحر!
الأغنية العربية بصوت
الساهر الساحر!
بقلم:حبيبه احمد محمد
سليمان
يُدَاعبْ القيصر
مشاعِرنا بصوتِهِ الطربي الأصيل،ولهجتهِ العراقيّة المميزة الممزوجة بالفصحى،وعلى
وتر القصائد غنّى،وعلى لحنِ الحرب كان الوصف،فهكذا هي العراق بلدُ الحربِ
والحدائق،بلدُ الحبِّ والحصار!
(كاظم الساهر)
تميّزت أغانيه وعاشت
طويلاً،لكلِّ منها ذكرى في حياتنا،حينما نستمع لحناً نتذكر على الفور الأغنية،وما
من مرحلةٍ في الحياةِ إلّا وكان هو فيها مُطربنا المفضل حتى ولو لم تعشْ ظروف
المغزى من الأغنية كأن أن تحبَّ أو تُخذل أو حتى تفقِدْ حبيباً،فقط أنتَ تحتاج أن
تسمعْ كاظماً في هذه اللحظة!
كلماتٌ على الرغم من
قوافيها المَوْزونة،ومشاعرُها الساحرة،وأساليبها البلاغية العجيبة،إن رأتها لأول
وهلة مكتوبة تقول:هذه مضى عليها الزمن،لكن عند القيصر لا شيء مضى عليهُ الزمن،فكم
من قصيدة أحياها من جديد أصبحتْ خالدة،وهل
يُعقل أن تكون أصواتُ الأغاني في الحفلات التي أفضل بكثير من صوتها التسجيلي إلّا عِند كاظماً!
بلا أدنى شك يستحقُّ
كاظماً العالمية فهو على الرغم من تفرّدهِ الفني على الساحةِ العربية،أقيمت له
حفلات في أمريكا والدول الأوروبية،وغنّى (دويتّو)مع مطربين عالمين،كما أنه لم
يكتفِ بالغزلِ فقط وكلمات الحب في أغانيه إلّا أن الأمر تعدّى ذلك، فكم من أمرٍ
ناقش ووثّق؟
وهل لنا أن ننسى:
"سلامٌ عليكَ على
رافديك عراق القيم
أنت مزارٌ وحبٌ ودارٌ
لكلِّ الأمم
أصلي لأجلكِ في كلَّ
حينٍ
وأمسحُ عنكِ غبار
السنين
أراكِ حبيبي حزين ويعصر
قلبي هذا الألم".
قصيدة جمعت العراق موضوعها
السلامِ ولا تحيز لأي طرف،تلك التحيزات التي ما إن تمكنت ضيّعت،والتي ما كان
للفنِّ الصادق إلّا أن يرفضها.
وماذا عن دموع الأطفال
ومآسيهم بعد سنوات الحصار التي دمّرت، والحرب التي فسدت وذلك في:
"أطفال
بغداد الحزينةِ يسألون
عن أي ذنبٍ يقتلون
يترَنحون على شظايا
الجوع
يقتسمون خبز الموت ثم
يودعون
الله أكبر من دمار
الحرب يا بغداد
والزمن البغيض الظالم
الله أكبر من سماسرة
الحروب
على الشعوب
وكلَّ تُجار الدم"
هؤلاءِ الأطفال الذين
لا نعلم كيف قضوا طفولتهم،هم بكلِّ تأكيد لم يستشعروا أنَّ هذه طفولة،يا تُرى هل
صمدوا فيما واجهُهُ أم استسلموا،أم ماذا حلَّ بهم،كيف أصبحوا الآن،ما هي نظراتهم
حول مجتمعهم!
وماذا عن الجمعِ بين حبِّ
الحبيبه وبين واقع الوطن وحبه،وهل هناك وجع يُضاهي هذين الحُبّين ولقد برز ذلك في أغنية أنا وليلى:
"نُفيتُ واستوطن
الأغرابُ في بلدي
ودمروا كلَّ الأشيائي
الجميلاتِ
خانتكِ عيناكِ في زيفٍ
وفي كذبٍ
أم غرّكِ البهرجُ
الخدّاع مولاتي"
أما وهو يقول: ويا غُربتاه،
شعورٌ غريب يجتاحُك،وكأن قلُبُك يدمع،لكن ماذا عن الغربة في الوطنِ ذاته!
وحقيقةُ الأشياء
تتحدث:فالحب...الوهم...الفوضى كلُّهم كالشراب،بضعاً من سائلٍ ما في كأس، وما
نتيجةُ الحبِّ اللا مشروط واللا معروف إلّا سوى فوضى من المشاعر:
"حبيبتي...حبيبتي...حبيبتي...حبيبتي
اشربي شيئاً من
الحلمِ معي
اشربي شيئاً من
الوهمِ معي
واشربي شيئاً
من الفوضى معي"
إنَّ (التريند) لغة
أرقام خادعة،وهل يُميز الإنسان سوى شيءٌ مميزاً يقوم به،وما النجاح غير استمراريةُ
البقاءِ على القمّة!
كثيرٌ من المشهورين
حسبما أرى تكون بدايتهم شيءٌ رائعٌ جداً،يصلوا بهِ إلى الجمهور بسرعة كبيرة،جميع
البيوت تُفتح لهم، ولكن فجأةً يتدهورون وبتدهورهم هذا يصدمون المجتمع الذي أحبهم
واعتبرهم فرداً من أفرادِ عائلتهِ،ببثِّ أفكار غريبة لا تنتمي لشخصيتنا العربية
بأيُّ صلة،قد لا يتآمرون علينا،وقد لا يفقهون شيئاً ممن يظنّه المجتمع الذي خاب
أملهِ بهم،هم لا يريدون شيئاً سوى البقاء فقط ولا غيره، ويقنعون أنفسهم بالنجاح
الذي حققوه ويحاولون إقناع الجمهور بحجّة الأرقام و(التريند)لغتي مواقع التواصل
الاجتماعي،وهكذا نشأت أفلام رخيصة، ومحتويات هابطة، وأغاني غوغائية،وبرامج بلا
هدف،لكن عند أصحاب المبدأ،يبقى النجاح نجاحا واحداً لا يتغير هو نجاح القيمة،نجاح
الاستمرارية فما (التريند)سوى شيءٌ مؤقت وسرعان ما يمحوه (ترينداً) آخر وهكذا كلَّ وقتٍ يتربع على عرش (التريند)شيءٌ إلى زوال.
فالحياة تحكيمُ عقلٍ ومقاومةِ ضعفٍ وعدم الخوفِ من
الفشل،وهكذا أطربنا كاظم في رائعتهِ هي الحياةُ هكذا:
"شرِبت من أكوابها صبابةً حتى الملل
وعشتُ في عذابها كآبةً لا تُحتمل
باركتُها في غدرَها ولم أفارِق الأمل
قاومتها في مكرها من حكَّم العقل وصل
من لم يُفق من وهمه فعن أساه لا تَسَلْ
صارت حياته عدم، صارت همومه جبل
إشرب لوحدك الأسى وذُق مرارةَ الفشل
إن لم نقاوِمْ ضَعفَنا ليس لنا فيها محل"
كما أن النجاح هو الذي لا تشهد به أنتَ لنفسك وإنّما
يشهد به غيرُك،أنتَ فقط عليك السعي واستثمار نفسك فيما أنعمَ الله عليكَ به من
مواهب،وللهِ دُر من يشهد له بذلك حينما يكون بعيداً عن عرْقهِ ودمهِ ووطنه،فكاظم
الفنان الوحيد الذي غنَى في القاعة الملكية البريطانية،وهو الفنان الثاني في
العالم بعد (مادونا)يحصل على مفتاح سيدني!
لم تكن أغانيهِ فقط وطناً وسلاماً وحباً وإنما مزج الوطن
بالحب والحب بالوطن فعندما كَثُر الحديث كان عليهِ أن يُطْرِب:
"ضميني يا أحلى امرأةً
لو صمتت قلبي يسمعها
بغداد...بغداد...بغداد
وهل عذب الله،الله،الله مثلُكِ في الدنيا أجمعها"!
كانت قصائد الغزل هي المشهورة عنده وعوضاً عن قصائد
القبّاني،كان من أبرز الشعراء المعاصرين الذي كتبَ له،هو الشاعر كريم العراقي،ومن
إحدى هذه القصائد(دلعُ النساء):
"تتسرعين فتغضبين فتندمين فتتطلبين مغازلاتي
الله من دلع النساء وكيدهن ومن جنونكِ يا حياتي
الله من كرمِ النساء وفضلهن على افتعالِ المشكلاتِ"
لذلك وأكثر كان كاظم مميزاً بجدارة،وناجحاً لأنه اخذ لنفسهِ
منهاجاً استمر عليهِ وطوَّره،وبلا أدنى شك لو كانت هناك نوبل للموسيقى لاستحقُّها
بجدارة.
وفي النهاية أودُّ أن أقول:لم تنتهي أعجوبة الغناء عند
كاظم على هذا الحد ،فأغانيه متنوعه حتى لو
تشابهت،هي كالتحفةِ إن مرَّ عليها الزمن تزيدُ رونقاً وجمالاً،إنَّ كاظم النهرُ
الثالث للعراق،بعد نهريْهِ دجله والفرات.
أدامَ الله هذا الفن الراقي،والطرب الأصيل،وجعل الله
النجاح حليفاً لكلِّ من كان التميز الجيّد طريقه.

.jpg)
يستحق النشر
ردحذفWonderful Habiba
ردحذفروعة ياحبة فى زمن ندرت فىه جواهر الكلمات