قراءة في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزّت بيجوفيتشي ج.2

 

قراءة في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزّت بيجوفيتشي ج.2

بقلم:حبيبه أحمد سليمان 




 

لتعرف ما الوضع الذي عليهِ الشعوب علينا أن نقرأ قصائد الشعراء فهم الجهاز الحسّي للبشر،فالشعر هو معرفة الإنسان بتفسير شعوره إزاء الأحداث،وبقدر ما كان العلم يحتاج إلى تطور دقيق للوصول إلى الحقيقة،كان الشعر خصوصاً والفن عموماً يصنع الأشياء من جديد وكل ما يهمه في الأمر هو الصدق فهو شعور نابع من المخزون الحسّي لدى الإنسان.

والفنان في كلَّ مرّة هو يبدأ من جديد،عكس العالِم الذي يُكْمِل مسيرة من سبقوه ليصل إلى دواء جديد،أو اكتشاف أو اختراع ينير البشرية،ولعلَّ هذا  كان سبباً في أنَّ الأعمال الفنية تُسمى بأسماء صاحبها،فها نحن نُسمّى المعلّقات بأسماءِ أصحابها من الشعراء.

العلم لا بُدَّ أن يكون نفعي ذات وظيفة وإلّا فقد قيمته، بعكس الفنَّ الذي يعكس ما بداخل الفنّان،إن المحاولات الدائمة لتجنيد الفن وأصحاب الكلمة من أجل دعم الأفكار والمبادرات والآراء لهو أصدقُ دليل على ذلك،أن الفن يصل إلى المجتمع وأن الفنان لديه الكلِمة الأولى والمؤثرة،لكن ماذا إذا كان الفنّان لديه رأي خاص به!

ومن الفن اتخذ الاتجاه الثاني فكرته الأساسية،الاتجاه الذي قام على الروحانيه الذي سُمّيَ بالدين المُجرَّد،الثقافة والدين أساسهُ.

يعتبر أنَّ الفن وجهٌ واحد للدين فلا مكان للعبادة إلّا وبه نوع من أنواع الفن،من الديانات القديمة إلى المسجد الذي به الفن المعماري مرسوماً على جُدرانهِ، سوى أنه لا يوجد مدينة في هذا العالم إلا وبها مكاناً مخصص للعبادة حتى لو كان كهفاً.

توصل البعض في العصر الحديث إلى وجود الإله في حياة الإنسان من الأسباب التي تعطيه قوّة للاستمرارية،فما بالُكم إن كان هذا الإله هو الله خالق هذا الكون وخالِقُنا، فاللهم لك الحمد على نعمة الإسلام.

إن الاتجاه الثاني آمنت به الكنيسة أي الديانة المسيحية وظهر ذلك تجلياً في القرون الوسطى وتحديداً في تعاملها مع العلماء،كان الدين المجرّد ضد التقدم العلمي، وكانت الحضارة ضد روحانية الإنسان.

ومع هذا الانقسام الذي لاقاه الإنسان بين حريةٍ مُضرِّه وبين روحانيةٍ بدعية، كان لا بد أن يكون هناك اتجاه ثالث، يناسب طبيعة الإنسان، اتجاه يكون الميزان؛ لهذا العالم المنقسم، فكان الإسلام، الذي وافق الطبيعة البشرية، فلم يرفض دينُه العلم بل حث عليه في آياتهِ وأحاديثهِ، ولم يرفض دينه الثقافة والروحانية بل هو يقدر العالم الداخلي للإنسان ويعطيه الحريةَ فيه، ذلك العالَم الذي هو محلُّ النية أساس صلاح الأعمال كما في الحديث النبوي الشريف:" إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ".

 

بين التقدم العلمي (الاتجاه الأول للعالم)الذي قد يرفض الأخلاق في سبيل تطوير قنبلة نووية مثلاً،وبين الروحانية الزائفة(الاتجاه الثاني للعالم) الذي قد يرفض العلم باعتبارهِ لاهياً عن المكوث من أجلِ العبادة،كان الإسلام أمة الوسط؛لذلك هو أسلوب حياة أكثر من كونهِ طريقة تفكير.

إن الإسلام دين عَمَار فحتّى في أوقات الحروب الأولى في العهد الأول من تاريخ الإسلام،كان يرفض التدمير وظهر ذلك جليّا في وصايا محمد صلى الله عليه وسلم:

أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عندما أرسله في شعبان سنة 6 هـ إلى قبيلة كلب النصرانية الواقعة بدومة الجندل؛ فقال له: "اغزوا جميعًا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، فهذا عَهْدُ اللهِ وسيرة نبيّه فيكم"

ورفض النبي صلى الله عليه وسلم المبالغة في العبادة:

عن أنس  رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"

متفق عليه.

ولذلك عندما ظهرت الجماعات الإرهابية وأخذت مسمى الإسلام ومصطلحاته كالجماعة والخلافة والقائد وأمير المؤمنين وغير ذلك لم يُصدقها الناس؛لأنهم يعلمون ما هو الإسلام ومن هم المسلمون،الإسلام دينُ العبادة...دين المعاملة...دين الأخلاق،لقد عاش غير المسلمين طويلاً في كنف المسلمين العرب حينما كانوا أسياداً لهذا العالم فعرفوهم عن قرب،وتناقلوا أخبارهم بينهم وتدارسوهم.

إن العقل لا يميز بين الصواب والخطأ لكنَّ الأخلاق هي المسئولة عن ذلك، فحتى لو كان القانون يتيح للإنسان شيء قد لا يفعلوه هو؛فالأخلاق جانب من جوانب القانون بل لربما هي جانبه الأقوى،وإن كان القانون يُحِد الجريمة أو يتيحها.

إن الفن يمس شوق الإنسان ورغبته تماماً كالدين هما في العالم الجوّاني ولذلك الفنان الذي يفتقد إلى الإخلاص هو مصطنع يلد عملاً ميتاً لهذا العالم،والمتدين الذي تشوب نيته خللاً قد يدخل دائرة المنافقون.

إن الإسلام جاء اسمه من الاستسلام لله الذي هو الفكرة النهائية العليا للإسلام،فللإنسان قدره كما للطبيعة حتمية تحكمها، هذا القدر هو حتمية الإنسان، فمن الذي يعزي أماً ثكلى أو رجلاً أصبح معاقاً سوى الاستسلام لله؟! إن هذا الاستسلام هو ضوء التفاؤل الذي يخترق كل تشاؤم، إنه التسليم للقدرة التي تحكم هذا الكون قدرة الله عزوجل،" إنه أيضاً حرية يكتسبها الإنسان بمواصلته الإيمان بقدره،ومواصلة الكدح والجهاد سِمَتان إنسانيتان معقولتان،وفيهما يتحقق الاعتدال والصفاء إذا نحن آمنا بأن النتيجة النهاية ليست بأيدينا،إنما علينا أن نسعى ونعمل،أما الباقي فبين يدي الله"

وفي النهاية أود أن أقول:

هذا الكتاب بكل مفاهيمه الدسمة وتفاصيله العميقة يحتاج إلى القراءة أكثر من مرة... إلى المناقشة... إلى شخصية تعرف ولو حتى القليل عن دينها الإسلامي؛ لتستطيع استيعاب ما ذكره الفيلسوف في هذا الكتاب.

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجربتي خلال رحلة صناعة المحتوى على اليوتيوب

أدب النصيحة

هل يمكن لطالب العلم أن يكون مُوَجِّهاً؟