قراءة في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزّت بيجوفيتشي ج.1
قراءة في كتاب
الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزّت بيجوفيتشي ج.1
بقلم:حبيبه
احمد سليمان
"لكي نفهم
هذا العالم فهماً صحيحاً،من المهم أن نعرف المصدر الحقيقي للأفكار التي تحكم هذا
العالم وأن نفهم معانيها" هكذا يقول علي عزت بيجوفيتشي، وهكذا سيتحدث في
كتابه الإسلام بين الشرق والغرب التي تدور فكرته العامة حول الاتجاهين الأساسيين الذين يحكمان هذا العالم وموقف الديانات
السماوية منها خاصةً الإسلام ومدى انعكاس هذه الاتجاهات على الإنسان ومفاهيمه
وعوالمه.
إنّ هذا الكتاب
من ترجمة محمد يوسف عدس، ومن تقديم د.عبدالوهاب المسيري، وهو للفيلسوف الذي جاهد
من أجل السلام،و من أجل حق دولتهِ البوسنة والهرسك، فأصبح فيما بعد رئيساً لها.
لنا أن نتخيل
النشء في بيئةٍ لو وُجِدَ فيها القرآن في بيتٍ لأُعْدِموا أهله، بالمنطق والعقل قد
يذهب البعض إلى أن الله أعطى حُجةً للمكروه على الشيء، فلا داعي أن تعرض نفسك
وأهلك للمخاطر، ولكن للقلب محل العقيدة
كلمة فيأبى حجّةُ العقل ويُقِرَّ موقفه
بأن النشء سيكون إسلامي، حتى لو كان في غير بيئته؛ لتكون النتيجة كتاباً بمثابةِ موسوعةٍ علميةٍ حديثة كُتِب
وخُطَّ حِبرَه في السجن، دفاعاً عن الإسلام والمسلمين في قومٍ غير القوم ( العرب)
وفي بلدٍ غير البلد(البلادُ الإسلامية)؛لأن الله ناصِر دينَهُ ولو كَرهَ الكافرون!
خلق الله
الإنسان في هذا الكون خليفةً له في الأرض، ونفخ فيه من روحهِ وميّزه عن باقي
المخلوقات بسموِّهِ ورقيِّهِ وقدرتهِ على الاختيار والتميز بما منحهُ الله بنعمة
العقل، ولكن هذا الإنسان لاقى الأمرّ على يد غيرهِ، فتارةً يعتبروه مجرّد شيء من
الأشياء يتطور بيولوجياً ليس لديهِ الحق في أي شيء هو كائن أصلهُ قرد،وفي الوقت
ذاته هو كائن له كلَّ الحريات المباحة حتى لو كانت نتيجةُ ذلك الضرر على ذاته
ومجتمعه!
وتارة أخرى
يعاملون الإنسان برهبانيةٍ ابتدعوها، لا اعتراف بغرائزهِ الإنسانية محكومٌ عليه
بالعفّة المُطْلَقه،مهدد بالانقراض النوعي،عقلهُ في سُباتٍ فكري، محرومٌ من
التفكير، وإن فكّر يجب أن يوافق تفكيره تفكير رجال الدين(الكنيسة)،وإن أبدع كان
إبداعهُ كذلك،وإلّا قد تصل العقوبات للإعدام كما حدث مع جاليلو مثلاً !
إن أبشع عذاب
قد يُصيب الإنسان حِرمانُهُ من الإنسانية،حرِمانُهُ من اختياراتهِ،حرمانهُ من
الحياة نفسها،وهو يظنُّ بعد كلَّ ذلك أنّه إنساناً!
لا يوجد مجتمع
ديني،ولا يوجد مجتمع ذو خُلُق،ولا يوجد مجتمع فنان،إنَّ الدين والأخلاق والفن
جميعهم يشتركون بأنهم ينبعثون من داخل الإنسان،ومدى إيمان الإنسان بأهمية كلَّ
واحدةٍ من هؤلاء،واستخدامهِا في سلوكهِ يبدأ ينعكس ذلك على المجتمع،إلّا أنّه يظل
سلوكاً فردياً.
يتجه الاتجاه
الأول لهذا العالم إلى الطبيعة والمادة،التقدم العلمي هو الأساس،والأسطورة حول
مفهوم الحضارة هي الهالة التي يعتمدون عليها،يعاملون الناس بمفهوم الطوبيا أي
التماثل جميع أعضاء المجتمع مشتركون في العملية الحضارية ولا اختيار لهم،وبغضِّ
النظر عن نوعهم وعن المتطلبات التي تليق بكلَّ نوع منهم، ولذلك يقول:في المجتمعات
الحضارية ترك الرجال الأسرة أولاً وتبعهم النساء ثم الأطفال ،وفي هذه المجتمعات
تظهر حضانات الاطفال بجانب دور العجزة (المسنين)،وبعكس الثقافة التي قدّستْ الأم
وجعلت منها رمزاً قدسياً ونسبت أعمال ثقافية باسمها كما في لوحة الأمومة على سبيل المثال لا
الحصر،حطّمت الحضارة هذه القُدسية.
إن من المفاهيم
التي لَحِقها بالحضارة مفهوم الإلحاد،الإنسان لا يؤمن بأنَّ لا إله في هذا
الكون،هو ابن الطبيعة،وذلك لأن هذا الإنسان الحضاري لم تتح له الفرصة باللجوء
للثقافة والمفاهيم المتعلقة بها مثل التأمل الذي يتيح السباحةُ الفكرية في هذا
الملكوت ومن ثم يبدأ في السؤال عن ماهية المسئول
عن هذا الكون.
إن التأمل ليس
سلوك العبّاد والمفكرين والشعراء فحسب إنه سلوك متاح للجميع،ولذلك أمرنا الله بالتأمل
في أكثر من آية في القرآن الكريم،وكانت أول آية أُنزِلَت على سيدنا محمد صلَّى
الله عليه وسلم وهو في غار حِراء حينما كان يتعبّد ويتأمل.
وكما أسهمتْ
الحضارة في التقدم أسهمت في انتشار الجرائم،ولعلَّ الدول الأكثر جرائم هي الأكثر
تقدُّماً ولقد أفسح لذلك صفحات في كتابه،ومع هذا يذكر أنه ليس ضد التقدم الحضاري
ولكنّه يحاول أن يُكسّر الأسطورة التي حولهُ.
ولعلّنا نرى
هذه الأسطورة حول الإنسان الآلي(الروبوت)،بأنه سيهاجم البشرية وسيحل محلّها!
إن الإنسان
يمتاز بالطبيعةِ الثنائية التي جعلتهُ أكبر حُجّة للإسلام ،بمعنى آخر العالم
البرّاني والعالم الجوّاني،وإذا ما استطاع الإنسان الآلي أن يقوم بجزء من مهام
الإنسان المتعلّقة بعالمه البرّاني،فهو لم يستطع أن يقوم بمهامه في العالم
الجوّاني،وبذلك هو افتقد لجزء أساسي من الإنسان فكيف إذاً سيحلَّ محلّه،إنَّ هذا
لأمراً اعتباطياً لأنّه من المستحيل أن يكون متديناً أو شاعراً أو صادقاً!
وفي موقع
العالم المادي يذكر الكتاب أنَّ الديانة اليهودية كانت من الديانات التي ساهمت في
الحضارة ولم تساهم قط في الثقافة،فقط التقدم العلمي والمادي.
ومع ذلك
"ليس الإنسان مفصلاً على طراز داروين ولا الكون مفصلاً على طراز
نيوتن"،إن الإنسان بحجمه ومع تقدمه لو قارنّه بحجم هذا الكون الفسيح لعلمنا
أنه لا يتناسب الحجمان وأن من المستحيل أن نكون أسياد مصائرُنا،وما زال للحديث
بقية.

تعليقات
إرسال تعليق
إذا مررت من هنا اترك أثراً